ابن عربي

41

فصوص الحكم

أما تسمية هذه الحيرة بالحيرة المحمدية فلسببين : الأول ما ذكرناه من أن ابن عربي يعتبر القول بالتنزيه والتشبيه بالمعنى الذي يفهمه منهما في مذهبه في وحدة الوجود عقيدة محمدية . والثاني استناداً إلى الحديث الذي أورده الصوفية من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « رب زدني فيك تحيراً » . ظهر إذن أن الحيرة حيرتان حيرة الجهل التي تورث الارتباك والألم وتولد اليأس وهي حيرة الفلاسفة الذين يعتمدون في فهم الوجود على العقل وحده . وإليهم أشار ابن عربي بقوله : أصحاب الطريق المستطيل أي غير الدائري . ولم يستعمل كلمة المستقيم بدلًا من المستطيل لاحتمال أن يفهم من كلمة المستقيم معنى الصواب . والحيرة الأخرى حيرة العارف با لله - وهي التي طلب النبي الزيادة منها ، لأن العارف بالحق ، المشاهد لتجليه في مرآة الوجود ، يفيض قلبه نوراً إذ تنعكس على صفحته تلك التحليات ويستولي عليه نوع من الحيرة ، ولكنها حيرة العجب والدهشة ، وحيرة السعادة العظمى ، وحيرة الوصول إلى المأمول لا حيرة الحرمان لعل لحظة من لحظات تلك الحيرة هي التي أنطقت الحسين بن منصور الحلاج حينما قال شطحته المشهورة : « أنا الحق ! فإنني ما زلت أبداً بالحق حقاً » . ( 10 ) « قال نوح رب ما قال إلهي . . . ثبوت التلوين » . الربوبية صفة لله من حيث كونه رباً يُدعى ويستعان به ويتوكل عليه ، ومن حيث أفعاله وآثاره في الإنسان وفي العالم برمته . والألوهية صفة لله من حيث كونه إلهاً يعبد ويقدس ويجل ويكرم ويخشى إلخ . وأخص صفات الربوبية أن الرب مسؤول والمربوب سائل ، وأخص صفات الألوهية أن الإله معبود والمألوه عابد . ولهذا جاءت الشريعة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب . فيقول المصلي : « الله أكبر » « سبحان الله » « لا إله إلا الله » . ويقول في الدعاء : « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا » « رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ » « رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ » إلخ .